بقلم : أميرة ابراهيم
كثيرًا ما نقابل في حياتنا أشخاصًا عظماء؛ ننجذب إلى فكرهم، نندهش من وعيهم، ونعتبرهم كنزًا إنسانيًا نادرًا. نتحاور معهم صدفةً أو يجمعنا بهم عمل، لكن قلّما نتوقف عند السؤال الأهم:
من صاغ هذه الشخصية؟ ومن وضع بذرة هذا الوعي؟
هي ليست صدفة، بل صناعة متقنة.
وراء كل شخصية عظيمة صائغ بارع، أجاد التشكيل منذ اللحظة الأولى… إنه المعلّم، وبخاصة معلّم المرحلة الابتدائية.
بحثت طويلًا في جذور تكوين الشخصية الإنسانية، فوجدت أن المعلم هو صاحب البصمة الأولى والأعمق؛ هو من غرس القيم، ورسّخ المبادئ، وشكّل العقل والفكر، وفتح أبواب الاكتشاف أمام هذا الكائن الصغير.
دور المعلم لا يقتصر على نقل المعرفة، بل يتجاوز ذلك إلى التربية والتوجيه، واكتشاف المواهب، وتنمية القدرات، وبناء الإنسان قبل بناء الشهادة.
المعلم هو من يزرع فينا القيم والأخلاق الفاضلة التي نفتقد كثيرًا منها اليوم في مجتمعاتنا، وهو من يضع الأساس الذي نعيش به حياتنا ونواجه به تحدياتها.
غياب الدور الحقيقي للمعلم هو أحد الأسباب الجوهرية لانتشار سلوكيات وأخلاقيات يرفضها المجتمع اليوم.
ولهذا نعود ونؤكد: وراء كل حكاية نجاح معلم شجّع، ودعم، وربّى، وآمن بقدرات تلميذه.
ولا يمكن إغفال دور الأسرة؛ فواجب الآباء والأمهات أن يُنشئوا أبناءهم على احترام المعلم وتقدير جهده، وإدراك فضله العظيم في تشكيل مستقبلهم.
شكرًا لكل معلم ترك بصمة لا تُنسى.
شكرًا لكل معلم زرع بذرة في أرض خصبة، فحصدها غيره، ودعا له صاحبها بالخير.
إن الاستثمار الحقيقي لأي أمة هو الاستثمار في الطاقات البشرية وصناعة العقول والأجيال؛ فهو أعظم استثمار وأضمن تجارة رابحة، لدى الأمم التي تعي قيمة العلم وتسعى للنهضة.
لو تأملنا التجربة اليابانية، لوجدنا أن مدارسها تعتمد نظامًا شديد الانضباط، أشبه بالنظام العسكري، ليس قسوةً بل وعيًا بدور المعلم ومكانته في العملية التعليمية.
المعلم هناك هو القائد، وصانع روح التعلم والإبداع والاكتشاف، وهو من يزوّد طلابه بالمعارف والمهارات اللازمة لمواجهة الحياة.
نحن في أمسّ الحاجة إلى الاهتمام الحقيقي بإعداد المعلمين، من خلال دورات تدريبية متخصصة، وبرامج تطوير مستمرة، وتنمية بشرية مقارنة بالتجارب العالمية. ففي الدول المتقدمة، يخضع المعلم لعدة دورات سنوية لتجديد ترخيصه المهني، والتأكد من كفاءته العلمية والتربوية.
تحية تقدير للمعلم
ذلك الجندي المجهول الذي يعمل في صمت داخل معركة الوعي.
نرى المنتج النهائي، ولا نرى ما دار خلف الكواليس من صبرٍ وتعبٍ وخطط وحلول.
المعلم هو الجسر الذي ينقلنا من الجهل إلى النور،
وهو الشمعة التي تحترق لتضيء الطريق،
وهو الشجرة التي تثمر معرفة، وتمنح ظلًا في أوقات العثرات.
تحية لكل معلم أفنى زهرة شبابه من أجل إعداد جيل واعٍ،
جيل قادر على خدمة وطنه وبناء مستقبله.











