المغرب : محمد سعيد المجاهد
بكثير من الأسى وصلنا خبر رحيل الفنان العلمي البرتولي، شيخ مدرسة تطوان وصاحب اليد التي كانت ترسم كما لو أنها تصلي. رحل بصمت، كما عاش دائما، تاركا خلفه ظلال ألوانه معلقة في ذاكرة المدينة، ووجوها قروية ما تزال تتحرك في لوحاته وكأنها تواصل حياتها داخل اللون.
عرفناه ونحن تلاميذ بثانوية القاضي عياض؛ كنا نراقب يده وهي تولد العوالم من لا شيء، يد خفيفة لكنها كانت تحمل الكون بطمأنينة عجيبة. ومن يومها أدركنا أن الفن ليس درسا، بل طريقة في النظر إلى العالم.
مضى الرجل بين الأزقة بهدوء، وحيدا غالبا، لكن المدينة كانت كلها تعرفه: رسام النقطة التي تتحول عنده إلى حياة، ورسام المرأة الجبلية التي تحمل طفلها على ظهر الحمار، ورسام الأسواق والمقاهي وطقوس الشمال. كان يرسم البسطاء، كأنه يعيد إليهم ما سلبه الواقع من كرامة وبهاء.
من روما إلى تطوان، حمل البرتولي تجربة لا تتكرر، لكنه عاش التهميش بصمت الحكماء، وتمسك بفنه كمن يتمسك بآخر خيط يربطه بالعالم. لم يطلب شيئا من أحد، وظل وفيا للون والهدوء والذاكرة.
اليوم، وهو يغيب عنا، نشعر أن جزءا من روح تطوان ينطفئ.
لكن لوحاته تبقى…
تبقى لتقول إن الفنان يموت،
أما الجمال فلا يموت أبدا.
رحم الله العلمي البرتولي،
وجعل فنه نورا لا يخبو.











