تقرير : علياء الهواري
في وقت تبدو فيه العناوين العالمية كأنها مكتوبة على أعمدة نار، بين صراع إيران وإسرائيل وعودة ترامب إلى المسرح السياسي، يعود اسم جيفري إبستين ليُقلب الطاولة على الجميع، وكأنه يذكّر العالم بأن هناك ملفات لا تموت، بل تُدفن فقط حتى يحين الوقت المناسب لإعادتها إلى الواجهة. ليس لأن القضية نفسها جديدة، بل لأن الوقت السياسي أصبح مناسبًا لإعادة فتح ملف كان من المفترض أن يُغلق نهائيًا.

الحديث عن إبستين اليوم ليس مجرد استرجاع لفضيحة جنسية من الماضي، بل هو تذكير بأن هناك شبكة كاملة من المال والسلطة كانت تعمل في الظل، وأن هذه الشبكة لم تُكسر بعد. وقد كان من الطبيعي أن يظهر هذا الاسم الآن، لأن الأزمات الدولية دائمًا تخلق حاجة ملحة لدى الأطراف السياسية للبحث عن “أوراق ضغط” جديدة، وأوراق ابتزاز قديمة يمكن استخدامها لتوجيه ضربات للخصوم. وإبستين، بفضائحه التي لا تنتهي، أصبح الورقة الأكثر فاعلية في يد أي طرف يريد أن يُربك الآخر.
إبستين لم يكن مجرد ملياردير يغتصب قاصرات، بل كان مستودع أسرار. الرجل الذي كان يملك جزرًا خاصة ومنازل فخمة وشبكة علاقات لا تُحصى، كان يملك شيئًا لا يملكه أغلب رجال المال: القدرة على الوصول إلى قلوب وأسرار شخصيات نافذة. ومن يمتلك أسرارًا كهذه، يصبح خطرًا أكبر من أي مجرم عادي، لأن قوة النظام تكمن في إخفاء الحقيقة، وليس في كشفها. لذلك، كان من المتوقع أن تكون نهاية إبستين غامضة، وأن تكون طريقة موته محاطة بالكثير من الشكوك. فكيف لم يمت في سجن أمريكي بسيط “انتحارًا” فقط؟ كيف يموت شخص يحمل في جيوبه معلومات قد تهز قادة ومؤسسات؟ هذا السؤال ظل يُطرح منذ اليوم الأول، وما زال يُطرح الآن بقوة أكبر، لأن عودة القضية تعني أن هناك من يريد إما كشف الحقيقة أو إخفاءها مرة أخرى.
الآن، ومع تصاعد التوترات في الشرق الأوسط، أصبح الملف أكثر حساسية. فالحرب الإيرانية لا تعني فقط صراعًا بين دولتين، بل تعني أيضًا صراعًا على النفوذ، وعلى تحالفات جديدة، وعلى إعادة ترتيب موازين القوة. وفي هذا المناخ، تصبح أي قضية قد تزعزع استقرار تحالفات أو تخلق ضغوطًا داخلية أو خارجية، أداة يمكن استخدامها. وإبستين، الذي كان يملك شبكة علاقات واسعة، يمكن أن يُستخدم كـ “حجر ضغط” ضد شخصيات سياسية في أمريكا أو في أوروبا، أو كوسيلة لإضعاف خصوم داخل الحلبة السياسية.
لكن ما الذي تغيّر في القصة؟ في الماضي، كان الحديث عن إبستين يدور حول “فضيحة أخلاقية” و”تحرش” و”استغلال”. أما اليوم، فالمعطيات تشير إلى أن الأمر أكبر بكثير: هناك شبكة منظمة، وربما دولية، تعمل على تجارة البشر والابتزاز، وتستخدم المال كواجهة لتغطية عمليات أكثر خطورة. والحديث اليوم ليس عن إبستين وحده، بل عن مؤسسات قد تكون متورطة في تغطية هذه الشبكة أو في الاستفادة منها.
وهنا يأتي السؤال الأكثر إثارة: من هم المشتبه بهم؟ الحقيقة أن الحديث عن أسماء محددة قد يظل “محصورًا” بسبب قوة نفوذ هذه الأسماء، لكن ما يمكن قوله بثقة هو أن المشتبه بهم ينتمون إلى فئات متعددة. هناك سياسيون، ورجال أعمال، ونخب مالية، وربما جهات أمنية استخدمت الشبكة كأداة للابتزاز. وإذا كانت القصة مجرد “ملياردير فاسد”، لما كانت قضية إبستين بهذا الحجم، ولا لكانت موته بهذه الغموض. لكن إذا كانت القضية تتعلق بشبكة ابتزاز دولية، فالأمر يصبح أكثر من مجرد فضيحة—بل يصبح “ملفًا خطيرًا” يمكن أن يهز أسس نظام سياسي.
ولأن القضية أصبحت تُستخدم كأداة ضغط، ظهرت أيضًا فرضية أن بعض النساء لم يكن دورهن مجرد “ضحايا” فقط، بل كن جزءًا من منظومة تجنيد. البعض منهن قد يكون تحت ضغط نفسي أو مالي شديد، أو ربما كان يعمل كوسيط لجلب فتيات أخريات. وهذا يجعل القضية أكثر تعقيدًا، لأنها لا تتعلق فقط بالجريمة، بل أيضًا بعملية منظمة تتطلب تخطيطًا وإدارة، وهو ما يعني أن وراءها جهات أكبر من رجل واحد.
لكن السؤال الأكثر إيلامًا هو: لماذا لم تُكشف الأسماء الكبيرة؟ لماذا توقف التحقيق عند حدود رجل واحد فقط؟ الإجابة التي يتبناها كثيرون هي أن هناك من يملك مصلحة في إبقاء هذا الملف مغلقًا. لأن كشف الحقيقة بالكامل قد يهدد مصالح دول، أو شركات، أو شخصيات نافذة. وهذا ما يفسر لماذا يبدو أن العدالة توقفت عند حدود إبستين، بينما تم تجاهل شبكة كاملة من العلاقات والتمويل والابتزاز.
في السنوات الماضية، كان هناك الكثير من الحديث عن “العدالة” في الولايات المتحدة، لكن هذه القضية تثبت أن العدالة ليست مجرد قانون، بل هي لعبة نفوذ. ومن يمتلك النفوذ يمكنه أن يخفّض صوت الحقيقة، أو يطيل عمرها في الظلام. لذلك، عودة إبستين الآن لا تعني فقط عودة فضيحة قديمة، بل تعني أن هناك من يريد أن يفتح الباب على حقيقة قد تطيح بأسماء كبيرة. وقد يكون هذا السبب الحقيقي وراء عودة القضية الآن، في توقيت سياسي حساس.
وبالطبع، لا يمكن تجاهل دور ترامب في هذه العودة. فالعلاقة بين ترامب وإبستين كانت دائمًا موضوعًا للجدل، وأي حديث جديد عن إبستين يعني إعادة فتح باب الاتهامات السياسية. وهذا ما يجعل القضية أكثر من مجرد فضيحة أخلاقية—إنها الآن ساحة معركة سياسية داخلية، حيث يستخدم كل طرف “إبستين” كأداة لتوجيه ضربات للآخر. ووجود إسرائيل في المشهد، وتوترات الخليج، يزيد من حساسية القضية، لأن أي كشف قد يخلق ردود فعل دولية، أو يؤثر على تحالفات استراتيجية.
في النهاية، يبقى السؤال الأكبر: هل ستنجح الحقيقة في الخروج من الظلام؟ أم أن الملف سيُدفن مرة أخرى كما دُفن الرجل نفسه؟ في عالم السلطة، لا شيء يموت حقًا. وحتى عندما يختفي الشخص، تبقى الشبكة، وتبقى الأسئلة، وتبقى الرغبة في معرفة الحقيقة. وإبستين، الذي كان يومًا رجلًا واحدًا، عاد الآن ليُذكر الجميع بأن المال ليس هو الذي يقتل الحقيقة، بل السلطة هي التي تختار متى تُظهرها ومتى تُدفنها.
في هذه اللحظة، وفي ظل حرب تهز المنطقة، يبدو أن القضية ليست فقط عن “مجرم” أو “ضحايا”، بل عن نظام كامل لا يريد أن يفضح نفسه. وإذا كان هناك شيء مؤكد، فهو أن “إبستين” لم يكن مجرد رجل فاسد، بل كان جزءًا من لعبة أكبر بكثير، وأن عودته الآن ليست صدفة، بل هي رسالة واضحة: الحقيقة ليست ضائعة… لكنها تحت رحمة من يملك السلطة لإظهارها أو إخفائها











