كتبت: فاطمة بدوى
الري 2.0: خطة مصر الرقمية لإنقاذ آخر 500 متر مكعب للفرد
تركز مصر خلال السنوات الأخيرة على بناء استراتيجية شاملة للحفاظ على كل نقطة مياه، في ظل تحديات نقص الموارد المائية وتزايد الاحتياجات السكانية والتنموية.
وتتوزع هذه الاستراتيجية بين مشروعات داخلية كبرى لإدارة الموارد وترشيد الاستهلاك، وبين تحرك دبلوماسي نشط في المحافل الدولية لربط قضية المياه بأجندة المناخ والتنمية المستدامة.
مشروعات داخلية لتعظيم كل قطرة
تتبنى الحكومة المصرية “الخطة القومية للموارد المائية 2017–2037” التي تهدف إلى إدارة الموارد المائية بشكل مستدام عبر أربعة محاور رئيسية: ترشيد الاستخدام، تنمية الموارد غير التقليدية، تحسين نوعية المياه، وتعزيز الإطار المؤسسي والتشريعي.
ويأتي ذلك في وقت انخفض فيه نصيب الفرد من المياه إلى نحو 500 متر مكعب سنوياً، وهو أقل كثيراً من حد الفقر المائي العالمي، ما يدفع الدولة لتسريع وتيرة الإصلاحات.
في قطاع معالجة وإعادة استخدام المياه، أنجزت مصر مئات محطات المعالجة الثلاثية والثنائية لمياه الصرف الصحي والزراعي، مع خطة لرفع كميات إعادة الاستخدام إلى أكثر من 16 مليار متر مكعب سنوياً بحلول 2037، بما يساهم في تغذية مشروعات الاستصلاح الزراعي الكبرى مثل الدلتا الجديدة.
وتعد محطات بحر البقر والمحسمة والدلتا الجديدة من أكبر مشروعات المعالجة في العالم، حيث توفر عشرات ملايين الأمتار المكعبة يومياً لري الأراضي الجديدة وتقليل الضغط على مياه النيل.
توسع لافت في محطات التحلية
أولت مصر أهمية خاصة لتحلية مياه البحر كأحد أهم مصادر المياه غير التقليدية، خاصة في مدن الساحل الشمالي والبحر الأحمر وسيناء
ووفق بيانات وزارة الإسكان، قفزت الطاقة الإنتاجية لمحطات التحلية من 84 ألف متر مكعب يومياً في 2014 إلى نحو 1.42 مليون متر مكعب، مع تشغيل 126 محطة على مستوى الجمهورية.
وتعمل الحكومة على استكمال 11 محطة جديدة سترفع الطاقة إلى نحو 1.73 مليون متر مكعب يومياً على المدى القريب، ضمن خطة طويلة الأجل تستهدف الوصول إلى نحو 9.8 ملايين متر مكعب يومياً بحلول 2050 لتلبية احتياجات الشرب والتنمية العمرانية الجديدة.
هذا التوسع في التحلية يسهم في تخفيف العبء عن مياه النيل، ويمنح المدن الساحلية هامشاً أكبر من الاستقلال المائي، مع التوجه لاستخدام الطاقة المتجددة لخفض تكلفة التشغيل.
إستراتيجية «الري 2.0» وترشيد الاستهلاك
على مستوى الاستخدام، أطلقت وزارة الموارد المائية والري إستراتيجية “الري 2.0” لمواجهة التراجع الحاد في نصيب الفرد من المياه من خلال توظيف التقنيات الحديثة في إدارة المنظومة.
وتعتمد هذه الاستراتيجية على تسعة محاور، من بينها تطوير نظم الري الحقلي، إدخال نظم الري الحديث في الأراضي الزراعية، تعميم العدادات الذكية، ورفع الوعي المجتمعي بأهمية الترشيد.
وتشير البيانات الحكومية إلى أن جهود تقليل الفاقد من مياه الشرب أسفرت عن خفض الفاقد من نحو 30.5% إلى حوالي 25.7%، مع استهداف الوصول إلى 20% بحلول 2030 من خلال تركيب ملايين العدادات الذكية وأدوات الترشيد.
كما أطلقت حملة وطنية تحت شعار “على القد” لتوعية المواطنين بخفض استهلاك مياه الشرب بنسبة قد تصل إلى 30% عبر تغيير السلوك اليومي في المنازل والمنشآت.
الحضور المصري في المحافل الدولية
لم تكتفِ مصر بالتحرك داخلياً، بل سعت إلى تدويل قضية المياه كأحد أعمدة ملف التغير المناخي والعدالة المناخية في المؤتمرات الدولية.
ويبرز هنا دور استضافة مصر لمؤتمر المناخ COP27 في شرم الشيخ، الذي شهد إطلاق “أجندة شرم الشيخ للتكيف” التي وضعت المياه في قلب ملفات التكيف مع المناخ، إلى جانب إطلاق بوابة إلكترونية لدعم مشروعات الطاقة والمياه.
وتواصل القاهرة حضورها الفاعل في مؤتمرات المناخ التالية، بما في ذلك المشاركة في التحضيرات لمؤتمر COP29 حيث ركزت على ملف التمويل المناخي العادل، وربط احتياجات الدول النامية في المياه والطاقة والغذاء بهدف وضع هدف تمويلي جديد لما بعد 2025.
كما طرحت مصر منصة “نُوَفّي” لربط مشروعات المياه والغذاء والطاقة بحزم تمويلية واستثمارية بالتعاون مع الشركاء الدوليين، ما يعزز من موقعها كنموذج إقليمي في الربط بين التنمية والمناخ.
أسبوع القاهرة للمياه ودبلوماسية الندرة
تحوّل “أسبوع القاهرة للمياه” إلى منصة سنوية للحوار العلمي والدبلوماسي تجمع الحكومات والخبراء والمؤسسات الدولية لبحث حلول ندرة المياه في الشرق الأوسط وأفريقيا.
وتتناول فعاليات الأسبوع موضوعات مثل إدارة الطلب، تحلية المياه، الزراعة الذكية مناخياً، وأمن المياه العابر للحدود، بما يمنح مصر مساحة أكبر لبناء تحالفات حول قضاياها المائية.
هذا الحراك يعززه خطاب مصري مستمر داخل الأمم المتحدة والمنظمات الإقليمية للتأكيد على أن المياه حق وجودي، وأن دول المصب تحتاج لالتزام دولي يحمي حقوقها المائية في ظل التغير المناخي وتزايد المشروعات الأحادية على الأنهار العابرة للحدود.
وتدفع القاهرة في اتجاه اعتبار ملفات مثل إعادة استخدام المياه والتحلية والري الحديث أولويات تمويلية في برامج التنمية العالمية، خاصة في أفريقيا.
تحديات مستمرة وآفاق مستقبلية
رغم هذا الزخم، ما تزال مصر تواجه تحديات معقدة تتعلق بثبات حصتها التاريخية من مياه النيل، والنمو السكاني المتسارع، وتداعيات التغير المناخي على معدلات الأمطار والتبخر.
كما أن تنفيذ الخطة القومية للموارد المائية حتى 2037 يتطلب استثمارات ضخمة وتعاوناً وثيقاً بين الدولة والقطاع الخاص والمجتمع المدني، لضمان استدامة المشروعات وعدم الاكتفاء بالبنية التحتية دون تغيير أنماط الاستهلاك.
ومع توسع مشروعات التحلية والمعالجة والري الحديث، تتجه مصر إلى مرحلة جديدة تقوم على تنويع مصادر المياه وتقليل الاعتماد الأحادي على النيل قدر الإمكان، مع تعظيم الاستفادة من كل متر مكعب عبر إعادة الاستخدام المتكرر.
وفي الوقت ذاته، تراهن القاهرة على أن حضورها القوي في ملفات المناخ والمياه عالمياً سيمنحها أوراق ضغط إضافية للدفاع عن أمنها المائي وترسيخ مبدأ الشراكة لا الصراع في إدارة الأنهار الدولية.











