بقلم : لواء دكتور سمير فرج
دخلت هذه الحرب عامها الرابع، الذي بدأ في 22 فبراير عام 2022، عندما رفضت روسيا انضمام أوكرانيا إلى حلف الناتو، لما في ذلك من تهديد لأمن روسيا القومي، باعتبار أوكرانيا دولة حدودية. وعلى أثر ذلك، شنت هجومًا عسكريًا، نجحت من خلاله في السيطرة على 20% من الأراضي الأوكرانية، وأعلنتها كأربع مقاطعات مستقلة، وهي لوهنسيك ودونيتسيك وزابورجيا وخيرسون، لتجري بعد ذلك استفتاءً شعبيًا، قامت بمقتضى نتائجه بضم تلك المقاطعات الأربع إلى روسيا.
وخلال تلك الحرب، التي أوشكت أن تتم عامها الرابع، قامت الولايات المتحدة الأمريكية، ومعها كل دول حلف الناتو ودول الاتحاد الأوروبي، بمساعدة أوكرانيا عسكريًا واقتصاديًا، إلا أن الدعم العسكري اقتصر على الأسلحة الدفاعية وليس الهجومية في الفترة الأولى، حيث كان هدف أمريكا إطالة زمن القتال في تلك الحرب لإنهاك روسيا اقتصادياً وعسكرياً. فلو كانت أمريكا تستهدف نصرة أوكرانيا في حربها مع روسيا وتمكينها من استعادة أراضيها، لأمدتها بالأسلحة الهجومية اللازمة لتنفيذ تلك الخطة النوعية.
ورغم اقتصار العمليات العسكرية على الدولتين الأوربيتين: روسيا وأوكرانيا، بما يمكن وصفه بأنها حرب إقليمية، إلا أنها تعتبر حربًا عالمية من حيث التأثير، إذ تأثرت كافة دول العالم سلبًا جراء تلك الحرب، في ظل كون الدولتين أكبر منتج ومصدر للغلال أو الحبوب، خاصة القمح والذرة، على مستوى العالم، مما أدى إلى اضطراب سلاسل الإمداد العالمية من الحبوب، وارتفعت أسعارها لمعدلات غير مسبوقة، بالإضافة إلى كون روسيا أكبر مُصدر للغاز إلى أوروبا.
إلا أن أوكرانيا فاجأت الجميع وقامت بالهجوم ضد روسيا، واحتلت جزءًا كبيرًا من مقاطعة كورسك داخل الأراضي الروسية، وحققت توغلًا داخل الأراضي الروسية بحوالي 20 كم.
وبوصول الرئيس الأمريكي ترامب إلى الحكم، أعلن خلال حملته الانتخابية أنه سيوقف هذه الحرب خلال 48 ساعة، وأنه لو كان موجودًا في الحكم في هذا التوقيت لما حدثت هذه الحرب. وبعد وصوله، عقد عدة اجتماعات مع كل الأطراف، آخرها مع الرئيس بوتن في ألاسكا. وبعدها بدأت بوادر خطة ترامب للسلام مع أوكرانيا، وتتضمن إجبار أوكرانيا على التخلي عن أراضي إضافية في الشرق، وتقييد حجم جيشها، والموافقة على عدم انضمامها لحلف الناتو.
كما تتضمن الخطة عناصر اقتصادية تشمل توجيه بعض الأصول الروسية المجمدة لإعادة إعمار أوكرانيا، نظير رفع العقوبات المفروضة على موسكو، والاتفاق بين روسيا وأمريكا على شراكة طويلة الأمد في مجالات الذكاء الاصطناعي، وعودة روسيا إلى مجموعة الثماني الكبار، مع إصدار قرار بالعفو عن جميع الأطراف الذين شاركوا خلال الحرب، مما يعني عدم مقاضاة المسؤولين والجنود الروس بتهمة جرائم الحرب خلال الهجوم على أوكرانيا.
كما تشمل الخطة تأكيد سيادة أوكرانيا، وإبرام اتفاقية بعدم اعتداء بين روسيا وأوكرانيا وأوروبا، مع عقد جلسات حوار بين روسيا وحلف الناتو بوساطة أمريكية لحل جميع الخلافات والقضايا المعلقة، لخفض التصعيد في أوروبا من أجل تحقيق سلام عالمي. كما ستحصل أوكرانيا على ضمانات أمنية موثقة، وسوف يقتصر حجم القوات المسلحة الأوكرانية على 600 ألف فرد، على أن توافق أوكرانيا في دستورها على عدم انضمامها إلى حلف الناتو، ويوافق حلف الناتو على تضمين بند بعدم قبول أوكرانيا مستقبلًا، علاوة على الاعتراف بحق روسيا في شبه جزيرة القرم.
وجاءت عملية الولايات المتحدة بشن عملية عسكرية ضد فنزويلا واعتقال الرئيس مادورو وزوجته، حيث تقول بعض المؤشرات والدراسات الاستراتيجية إن روسيا سوف تتغاضى عمّا فعلته أمريكا هناك، مقابل أن تنهي أمريكا الحرب في أوكرانيا لصالح مطالب روسيا.
وبنظرة سريعة تحليلية إلى هذه البنود المقترحة لتحقيق السلام بين روسيا وأوكرانيا، نجد أن روسيا هي الطرف الأكبر الذي حصل على مكاسب من هذه الحرب ومن هذه الاتفاقية، لعل أولها عودة السيادة الروسية على شبه جزيرة القرم، وثانيها عدم انضمام أوكرانيا مستقبلًا لحلف الناتو، وهذا كان السبب الرئيسي في بداية هذه الحرب. كذلك رفع العقوبات الاقتصادية عن روسيا التي كانت مفروضة وتأثر بها الاقتصاد الروسي خلال الأربع سنوات الماضية، وأيضًا أضافت إلى روسيا أراضي هذه المساحات الكبيرة من أوكرانيا وعودتها إلى سيادتها، وكذلك عودة روسيا إلى مجموعة الدول الثمانية.
أما أوكرانيا، فلقد خسرت الكثير، أولًا أراضيها التي تم ضمها إلى روسيا، وأساسًا شبه جزيرة القرم، كذلك تقييد حجم جيشها. وأعتقد أن الرئيس الأوكراني زيلينسكي سوف يسافر إلى بريطانيا بعد توقيع هذا الاتفاق كلاجئ سياسي، حيث لن يغفر له تاريخ أوكرانيا أنه تسبب في كل هذه الخسائر وفقدان الأراضي.
أما الاتحاد الأوروبي، فقد أعرب عن استيائه، لأن كل هذه الاتفاقيات والمقترحات لإحلال السلام لم يتم إشراك أوروبا بصورة رئيسية خلال هذه الاتفاقيات، خاصة بعد ظهور مشكلة جرينلاند والذي يطمح الرئيس الأمريكي في ضمها للولايات المتحدة وذلك سيؤدي إلى انقسام دول حلف الناتو، ولذلك ضاع الأمل في تحقيق السلام القريب لهذه الحرب
Email: sfarag.media@outlook.com











