بقلم : نور الدين خوليكنازاروف
مفتى أوزبكستان
يشهد العالم في العصر الراهن تطورًا متسارعًا في مجالات الذكاء الاصطناعي والتقنيات الرقمية، حتى باتت هذه التقنيات حاضرة في مختلف مناحي الحياة، ولا سيما في الاقتصاد والتعليم والثقافة والإعلام والخدمات العامة. وأمام هذا التحول العميق، تبرز الحاجة الملحّة إلى دراسة أبعاد الذكاء الاصطناعي من منظور أخلاقي وديني، يوازن بين الاستفادة من منجزاته الحديثة والحفاظ على القيم الإنسانية والضوابط الشرعية.
وفي هذا السياق، أكد علماء ومختصون أن الذكاء الاصطناعي يُعد ثمرة من ثمرات العقل البشري وإبداعه، ويدخل ضمن قوله تعالى: ﴿وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ (سورة النحل: 8)، حيث تشير هذه الآية إلى ما يستجد من ابتكارات علمية وتقنية لم تكن معروفة من قبل. وقد أصبح الذكاء الاصطناعي اليوم أساسًا لكثير من التطبيقات الحديثة، مثل الحكومة الإلكترونية، والمدن الذكية، والمركبات ذاتية القيادة، والطائرات بدون طيار، وغيرها من التقنيات التي تسهم في تسهيل حياة الإنسان.
غير أن هذا التطور، مهما حمل من فوائد كبيرة، لا يخلو من صعوبات ومخاطر محتملة. ولذلك تبرز الحاجة إلى تنظيم استخدام الذكاء الاصطناعي وضبطه ومراقبته، واتخاذ التدابير اللازمة للحد من آثاره السلبية. ولا سيما في المجالات الحساسة المرتبطة بالدين والفتوى، حيث ينبغي إيلاء هذه المسألة عناية خاصة.
الذكاء الاصطناعي والفتوى الشرعية
أجمع العلماء والباحثون في المجامع الفقهية والمؤتمرات العلمية على أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يكون أداة مساعدة في جمع المعلومات الشرعية، وتحليلها، وتصنيفها، وتيسير الوصول إليها، إلا أنه لا يجوز الاعتماد عليه استقلالًا في استنباط الأحكام الشرعية أو إصدار الفتاوى.
فالفتوى تتطلب حضورًا مباشرًا للفقيه المؤهل، نظرًا لاختلاف الأحكام باختلاف أحوال المستفتين، والزمان، والمكان، والعادات، والظروف الاجتماعية والاقتصادية. وهذه الاعتبارات الإنسانية الدقيقة لا يمكن للذكاء الاصطناعي استيعابها بصورة مستقلة. كما أن من شروط المفتي في الشريعة الإسلامية أن يكون مكلفًا مسؤولًا، وهو شرط لا يتحقق في الأنظمة التقنية.
ومن هنا، فإن دور الذكاء الاصطناعي في مجال الإفتاء يظل دورًا مساعدًا لا بديلاً، تطبيقًا لقوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (سورة النحل: 43)، حيث يبقى العلماء الثقات هم المرجع النهائي في إصدار الأحكام وتحمل المسؤولية الشرعية.
مجالات الاستفادة العملية من الذكاء الاصطناعي
أثبتت التجربة العملية، ومنها تجربة مركز الفتوى التابع لإدارة مسلمي أوزبكستان، أن الذكاء الاصطناعي يمكن توظيفه في مجالات متعددة، من أبرزها:
• تحليل الأسئلة الشرعية الواردة وتصنيفها حسب الموضوعات والمناطق، وتحديد أكثرها تكرارًا.
• تحويل الأسئلة والأجوبة الصوتية إلى نصوص مكتوبة، وحفظها في قواعد بيانات منظمة.
• دعم خبراء الفتوى من خلال اقتراح إجابات محفوظة سابقًا، دون إرسالها للمستفتين إلا بعد مراجعة واعتماد المختصين.
• تعزيز أمن المجتمعات عبر مشاريع المدن الذكية والرقمية والآمنة.
• الإسهام في مكافحة الفساد من خلال تقليل التدخل البشري في الإجراءات الإدارية.
• استخدام التقنيات الذكية في البيئات الخطرة أو الضارة بصحة الإنسان.
• نشر المعرفة الإسلامية، وتيسير الوصول إلى الدروس والمواعظ، وتطوير محتوى دعوي وتعليمي يخدم الأمة الإسلامية.
الإنسان في مركز التطور التقني
يشدد المختصون على أن الإنسان يجب أن يبقى في قلب عملية تطوير الذكاء الاصطناعي، وأن تُدار هذه التقنيات على أساس أخلاقي وقيمي راسخ. فالتقنية ليست غاية في ذاتها، بل وسيلة لخدمة الإنسان وتيسير شؤونه، ولا ينبغي أن تتحول إلى بديل عنه أو أداة تتحكم في مصيره.
وفي هذا الإطار، فإن التحدي الحقيقي يتمثل في التوفيق بين الذكاء الاصطناعي والمطالب الدينية، والمعايير القانونية، والقيم الوطنية، بما يضمن تحقيق التنمية المعرفية والتقنية دون الإخلال بالمسؤولية الشرعية والإنسانية.
وخلاصة القول يمكن أن نقول إن الذكاء الاصطناعي، إذا استُخدم بحكمة وضوابط واضحة، يمكن أن يكون عونًا كبيرًا للبشرية في مختلف المجالات. وتؤكد المؤسسات الدينية والعلمية في العالم الإسلامي، ومنها إدارة مسلمي أوزبكستان، استعدادها الدائم للمشاركة الفاعلة في توظيف هذه التقنيات الحديثة لنشر المعرفة الإسلامية، وتعزيز الحوار بين الدين والعلم، والمساهمة في إيجاد حلول للتحديات العالمية المعاصرة .ويبقى الهدف الأسمى هو تسخير نعم العلم والتقنية فيما يحقق الخير للإنسانية، ويُرضي الله سبحانه وتعالى، ويعزز القيم الأخلاقية التي تُعد أساس الاستقرار والتقدم.











