تقرير: علياء الهواري
لم تكن سيدني، المدينة التي طالما قُدِّمت كنموذج للتعايش والتعدد الثقافي، تتوقع أن تستيقظ على واحد من أكثر أيامها دموية في السنوات الأخيرة. مساء الأحد 14 ديسمبر 2025، تحوّل احتفال ديني مفتوح على شاطئ بوندي الشهير إلى ساحة إطلاق نار، بعد أن استهدف مسلحون تجمعًا يهوديًا كان يحتفل بعيد “الحانوكا”. خلال دقائق، سقط قتلى وجرحى، وانهار الإحساس الزائف بأن أستراليا بعيدة عن موجات العنف المرتبطة بالصراعات العابرة للحدود.
الهجوم، الذي ما زالت تفاصيله قيد التحقيق، أعاد فتح أسئلة ثقيلة:
هل كان حادثًا معزولًا؟ أم نتيجة مباشرة لتراكم سياسي وأيديولوجي؟ ومن يقف خلف تحويل الصراع في الشرق الأوسط إلى دماء تُراق في شوارع الغرب؟
بحسب الروايات الأولية، فتح مسلحان النار على الحشد خلال الاحتفال، مستخدمين أسلحة نارية في مكان مفتوح مكتظ بالمدنيين، بينهم عائلات وأطفال. أسفر الهجوم عن سقوط عدد كبير من القتلى والمصابين، قبل أن تتدخل الشرطة وتشتبك مع المنفذين، ما أدى إلى مقتل أحدهما واعتقال الآخر مصابًا.
اللافت في العملية ليس فقط عدد الضحايا، بل توقيت الهجوم ومكانه وطبيعة الهدف. فالاحتفال كان دينيًا، غير مسلح، ومقامًا في فضاء عام مفتوح، ما يشير إلى رغبة واضحة في إحداث أكبر صدمة ممكنة، وليس مجرد توجيه رسالة محدودة.
اختيار احتفال يهودي لم يكن عشوائيًا. فخلال العامين الأخيرين، شهدت أستراليا – كما كثير من الدول الغربية – تصاعدًا ملحوظًا في حدة الخطاب المرتبط بالحرب على غزة، وتداخلًا خطيرًا بين انتقاد سياسات إسرائيل والتحريض ضد اليهود كجماعة دينية.
هذا التداخل خلق بيئة ملغومة:
مجموعات متطرفة ترى في أي يهودي “امتدادًا للصراع”.
وخطاب سياسي وإعلامي عاجز أحيانًا عن الفصل بين الدين والدولة والاحتلال.
الهجوم جاء في ذروة هذا الاحتقان، وكأنه ترجمة عنيفة لما ظل يتراكم في الخطاب العام دون تفريغ عقلاني أو سياسي مسؤول.
حتى لحظة كتابة هذا التقرير، لم تُعلن السلطات الأسترالية رسميًا انتماء المنفذين إلى تنظيم محدد. لكن المؤشرات الأولية تضع الحادث في إطار الإرهاب الفردي أو الخلايا الصغيرة، وهي الصيغة الأخطر في السنوات الأخيرة، لأنها تتحرك خارج الهياكل التنظيمية التقليدية، وتستمد دوافعها من خليط أيديولوجي مشوش.
التحقيقات تركز على ثلاثة مسارات:
التطرف الأيديولوجي الفردي: متأثر بخطابات الكراهية المنتشرة على المنصات الرقمية.
التحريض العابر للحدود: حيث تتحول حروب الشرق الأوسط إلى وقود نفسي لشباب في دول بعيدة جغرافيًا.
إمكانية الدعم أو التشجيع غير المباشر: عبر شبكات إلكترونية أو خطاب تعبوي دون توجيه عملياتي مباشر.
ما هو مؤكد حتى الآن أن الهجوم لم يكن “صدفة”، بل نتاج مسار طويل من التطبيع مع خطاب العنف.
التوقيت بالغ الدلالة. فالعالم يعيش مرحلة انفلات سردي:
حرب مستمرة في غزة بلا أفق سياسي.
فشل دولي في فرض حلول أو محاسبة.
استقطاب حاد داخل المجتمعات الغربية نفسها.
في هذا المناخ، تتحول القضايا العادلة إلى أدوات تعبئة متطرفة، ويُعاد إنتاج الصراع خارج حدوده الأصلية. أستراليا، رغم بعدها الجغرافي، لم تكن معزولة عن هذا السياق، بل تأثرت به عبر الإعلام، والهجرة، والفضاء الرقمي.
الهجوم هو نتيجة مباشرة لفشل عالمي في إدارة الصراع، لا مجرد فشل أمني محلي.
الحكومة الأسترالية سارعت إلى إدانة الهجوم ووصفه بالعمل الإرهابي، وتعهدت بتشديد الإجراءات الأمنية وحماية دور العبادة. لكن هذه الردود، رغم ضرورتها، بدت تقليدية أمام حجم الأسئلة المطروحة.
في المقابل، دخلت إسرائيل على خط الحدث سياسيًا، مستخدمة الهجوم لتأكيد خطاب “تصاعد معاداة السامية عالميًا”، بينما حذرت أطراف أخرى من استغلال الدماء لتبرير سياسات قمعية أو خنق أي نقاش مشروع حول الاحتلال.
وهنا تظهر المفارقة:
كل طرف يستخدم الضحايا لتثبيت روايته، بينما يغيب النقاش الجذري حول كيف نمنع تحويل المآسي السياسية إلى مذابح مدنية؟
هجوم سيدني ليس حادثًا محليًا، بل مرآة لعالم متشظٍ:
عالم لم يعد فيه الصراع محصورًا بجغرافيا.
عالم تُنقل فيه الكراهية عبر الشاشات أسرع من أي جيوش.
عالم يفشل في حماية المدنيين، سواء في غزة أو سيدني.
الخطير أن استمرار هذا المسار يعني أن أي ساحة عامة، في أي دولة، قد تتحول إلى هدف، طالما ظل الصراع بلا حل، والخطاب بلا ضوابط.
ما جرى في أستراليا جريمة مكتملة الأركان، لكنه أيضًا نتيجة سياسية وأخلاقية لفشل أوسع.
هو نتاج عالم يترك الجروح مفتوحة، ثم يتفاجأ حين تنزف في أماكن غير متوقعة.











