بقلم: ليانغ سوو لي
إعلامية صينية
في الثالث من سبتمبر 2025، يحيي العالم الذكرى الثمانين للانتصار في الحرب العالمية ضد الفاشية. لقد شكلت تلك الحقبة، التي كتبت بالدم والنار، محطةً فاصلة في الذاكرة الإنسانية، حيث انتصرت العدالة على الشر، وانبثق النور من ظلمات الحرب. أما بالنسبة للصين، فقد كانت تلك الحرب ملحمة بطولية للشعب الصيني في لحظة مصيرية بين الحياة والموت، قدم خلالها أكثر من 35 مليون صيني أرواحهم ودماءهم من أجل النصر. وفي هذه الذكرى التاريخية البارزة، فإن إعادة التأكيد على قيمة السلام والدفاع عن مبادئه لا يُعد مجرد استذكار للماضي، بل هو أيضاً التزام راسخ تجاه المستقبل.
السلام لم يكن يوماً أمراً سهلاً أو مضموناً، بل يزداد إدراك قيمته بعد اجتياز أقسى الحروب. لقد خلفت الحربان العالميتان في القرن الماضي مآسي إنسانية هائلة، لكنهما أفرزتا في الوقت ذاته نظاماً دولياً جديداً تمحور حول منظمة الأمم المتحدة. وباعتبارها الساحة الرئيسية في الشرق للحرب العالمية ضد الفاشية وإحدى الدول المنتصرة، خاض الشعب الصيني نضالاً مريراً استمر أربعة عشر عاماً ضد النزعة العسكرية اليابانية، ثم ساهم بفعالية في بناء منظومة السلام العالمية. ومن خلال هذه التجربة العميقة، أدرك الصينيون أن السلام ليس شعاراً مجرداً، بل هو أمن للمواطنين، واستقرار للدول، ونهضة للأمم، وأساس تقدم للبشرية جمعاء.
لكن بعد ثمانين عاماً، يجد العالم نفسه مرة أخرى أمام مفترق طرق. فموضوعا العصر ــ السلام والتنمية ــ يواجهان اليوم تحديات جسيمة: تصاعد التنافس بين القوى الكبرى، وتنامي النزاعات الجيوسياسية، وعودة السياسات الأحادية وهيمنة القوة. فما زالت الحرب في أوكرانيا مستمرة، والوضع في فلسطين يتفاقم، والتوترات في منطقة آسيا والمحيط الهادئ تتصاعد من خلال المناورات العسكرية وتعزيز التحالفات. والأخطر من ذلك، أن بعض الدول تعمل عمداً على إشاعة الانقسام والمواجهة، تحت شعارات “الديمقراطية ضد الاستبداد”، مستعيدة بذلك عقلية الحرب الباردة، بفرض قيمها على الآخرين، بل ومتدخلة في الشؤون الداخلية للدول الأخرى، مما يزيد من أخطار عدم الاستقرار الإقليمي والدولي.
في مواجهة هذه التحديات، تبرز الأهمية العملية لمفهوم الصين في التنمية السلمية. فالصين تؤكد باستمرار أن جميع الدول ــ مهما كان حجمها أو قوتها أو ثروتها ــ متساوية، وأن العلاقات الدولية ينبغي أن تقوم على الاحترام المتبادل، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، والسعي لتحقيق المنفعة المتبادلة. فالسلام شرط أساسي للتنمية، والتنمية ضمان راسخ للسلام. ومن هذا المنطلق، تتمسك الصين بمسار التنمية السلمية، وتدفع بقوة نحو بناء مجتمع ذي مستقبل مشترك للبشرية، وتعمل على تنفيذ مبادرة التنمية العالمية، مؤكدة أن التنمية الحقيقية لا تتحقق إلا بتنمية الجميع معاً، ورافضة منطق “اللعبة الصفرية” والسياسات الأنانية الضيقة.
وعلى عكس بعض الدول التي تلجأ إلى العقوبات والتهديدات العسكرية لحل النزاعات، تتمسك الصين بالحوار السياسي والمشاورات كطريق لتسوية الخلافات. ففي الأزمة الأوكرانية، أصدرت الصين وثيقة بعنوان “موقف الصين من الحل السياسي للأزمة الأوكرانية”، داعيةً إلى وقف فوري لإطلاق النار. وفي الشرق الأوسط، نجحت الصين في التوسط لتحقيق المصالحة التاريخية بين السعودية وإيران، وتدعو بقوة إلى وقف إنساني عاجل لإطلاق النار في غزة، مؤكدة ضرورة احترام الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني. هذه المبادرات الواقعية تجسد الدور البنّاء للصين كقوة مسؤولة، وتؤكد أن السلام لا يُبنى بالشعارات، بل بالجهود العملية والنتائج الملموسة.
كما أن الموقف الصيني الصارم من التاريخ العسكري يعكس هذا المفهوم بوضوح. ففي حين يسعى البعض إلى إنكار جرائم الماضي أو تبرير النزعة العسكرية، تصر الصين على استخلاص العبر من التاريخ، وترفض بحزم محاولات طمس الحقائق أو تبرير الحروب العدوانية. إن إحياء ذكرى الانتصار على الفاشية ليس مجرد تكريم لتضحيات الأبطال، بل هو أيضاً إعلان حازم للحفاظ على السلام العالمي: لن يُسمح أبداً بتكرار المآسي. ومن هذا المنطلق، تتمسك الصين دوماً بالنظام الدولي القائم على مبادئ وأهداف ميثاق الأمم المتحدة، وترفض الأحادية والهيمنة بجميع أشكالها، وتقف بوجه أي ممارسات تخفي وراء شعارات “الحرية” نوايا تهدف إلى إثارة الفوضى وتقويض الاستقرار.
إن استذكار المآسي الإنسانية قبل ثمانين عاماً يذكّر العالم بأن السلام الذي نعيشه اليوم جاء بتضحيات جسيمة. أما اليوم، فما زالت مسيرة السلام والتنمية مليئة بالتحديات، والعالم بحاجة ماسة إلى منظومة حكم عالمي أكثر شمولاً واستدامة وتوجهاً نحو المستقبل. إن تمسك الصين بمسار التنمية السلمية يضفي على عالم مضطرب قيمة الاستقرار واليقين والأمل.
وعند هذه المحطة التاريخية في الذكرى الثمانين للانتصار على الفاشية، فإن استذكار الماضي يهدف إلى صون السلام لا إلى إذكاء الكراهية، وتقدير السلام يعكس عزماً على حماية العدالة لا خضوعاً للتراجع. وفي عالم مضطرب ومثقل بالأزمات، ينبغي أن يصبح مفهوم التنمية السلمية هدفاً مشتركاً وإجماعاً دولياً. وستظل الصين، بلا تردد، قوةً تبني السلام العالمي، وتدعم التنمية الدولية، وتحافظ على النظام الدولي، وتقدم حكمتها وحلولها الخاصة من أجل مستقبل يسوده السلام الدائم والازدهار المشترك للبشرية.